أهرامات مروي: أكثر من مئتي هرم، وزاوية أشدّ انحدارًا من أهرامات الجيزة
كم درجة تميل واجهات الأهرامات النوبية مقابل هرم خوفو بالضبط، ولماذا قواعدها أصغر بكثير، ومن الذي نسف قمم عشرات منها في سنة واحدة معلومة — وأين ذهب ما أخرجه.
- الموقع
- البجراوية، ولاية نهر النيل
- التصنيف
- موقع أثري
- أفضل وقت
- يناير — متوسّط عظمى ٣٢٫٥ درجة
- مدة الزيارة
- قراءة تخطيط، لا دعوة سفر
- آخر تحديث
- أغسطس ٢٠٢٦

٢٠١١ والملفّ رقم ١٣٣٦: ثلاثة مواقع لا موقع واحد
أُدرجت «المواقع الأثرية لجزيرة مروي» على قائمة التراث العالمي سنة ٢٠١١ تحت الملفّ رقم ١٣٣٦ وبالمعايير (ii) و(iii) و(iv) و(v)، في ولاية نهر النيل، والملفّ يغطّي ثلاثة مواقع لا موقعًا واحدًا: مدينة مروي نفسها، والمصوّرات الصفراء، والنقعة.
ونقول من أين جاءت هذه التفاصيل: موقع مركز التراث العالمي ردّ في ٨ أغسطس ٢٠٢٦ بصفحة تحقّق من الهوية ورمز خطأ ٤٠٣ على كلّ محاولة، فأخذنا رقم الملفّ وسنة الإدراج والمعايير والمكوّنات الثلاثة من السجلّات المرآتية للقائمة السودانية. المصدر منقول، ونقول ذلك بدل أن نُوهم بأنّنا فتحنا الأصل.
و«الجزيرة» في الاسم ليست جزيرة بحرية: هي الرقعة المحصورة بين النيل والنيل الأزرق ونهر عطبرة، وهي قلب مملكة كوش في طورها المروي. من يقرأ الاسم حرفيًّا يبحث عن ماء يحيط بالموقع فلا يجده.
وتاريخ المكان مضبوط بطرفيه: صارت مروي عاصمة مملكة كوش من نحو سنة ٥٩٠ قبل الميلاد حتى انهيارها في القرن الرابع الميلادي، ويُرجَّح أنّ الملك أسبلتا هو من نقل العاصمة إليها نحو سنة ٥٩١ قبل الميلاد. أي نحو تسعة قرون من العاصمية المتّصلة.
أمّا الأهرامات فليست كلّ الملفّ بل أوضح ما فيه: يصف السجلّ المرجعي للمدينة موقعها بأنّه «معلَّم بأكثر من مئتي هرم في ثلاث مجموعات، كثير منها في حالة خراب». هذه الجملة هي الأساس العددي لهذه الصفحة كلّها، وسنعود إليها بعد قليل لنقول ما لا نعرفه عنها.
ولاحظ أنّ المعايير الأربعة التي أُدرج بها الملفّ ثقافية كلّها، بلا معيار طبيعي واحد — خلافًا لملفّ سنجنيب ودنقناب في الولاية نفسها من البلد والمدرج بمعايير طبيعية خالصة. أي أنّ ما في السودان من تراث عالمي مقسوم قسمة واضحة: حجرٌ في وادي النيل، وشعابٌ في البحر الأحمر، ولا موقع مختلطًا بينهما.
الزاوية: نحو ٧٠ درجة مقابل ٥١°٥٠′٤٠″
تميل واجهات الأهرامات النوبية بزاوية تقارب سبعين درجة، بينما تميل الأهرامات المصرية بزوايا تتراوح بين أربعين وخمسين درجة — وهذا الفارق وحده هو سبب أنّ الصورة أعلى هذه الصفحة لا تشبه صورة الجيزة رغم أنّ الشكل الهندسي واحد.
وللمقارنة الدقيقة رقم واحد يستحقّ أن يُطبع كما هو: زاوية ميل الهرم الأكبر بالجيزة ٥١ درجة و٥٠ دقيقة و٤٠ ثانية، وهي في اصطلاح البنّاء المصري القديم «سِكِد» قدره خمسة أنصاف وخمس راحات ونصف. وقاعدته ٢٣٠٫٣٣ مترًا في كلّ ضلع، أي ٤٤٠ ذراعًا ملكيًّا، وارتفاعه الأصلي ١٤٦٫٦ مترًا وارتفاعه اليوم ١٣٨٫٥ مترًا.
أي أنّ الفارق بين الزاويتين نحو عشرين درجة كاملة. عشرون درجة تعني هرمًا يصعد بسرعة مضاعفة تقريبًا من قاعدته، وهذا هو المظهر الذي يصفه الناظر بأنّه «حادّ» أو «رفيع» دون أن يعرف أنّه يقرأ رقمًا.
والبعد الثاني في المقارنة هو القاعدة: يتراوح ارتفاع الأهرامات النوبية بين ستّة وثلاثين مترًا تقريبًا، وقواعدها صغيرة نسبيًّا — يقول السجلّ المرجعي للأهرامات النوبية إنّ الأهرامات المصرية المماثلة لها في الارتفاع تقوم على قواعد أكبر خمس مرّات على الأقلّ.
اجمع الرقمين: زاوية أشدّ بعشرين درجة وقاعدة أصغر بخمسة أضعاف. هذا ليس أسلوبًا زخرفيًّا مختلفًا بل حلٌّ إنشائي مختلف تمامًا لمشكلة واحدة، وهو أوضح ما يمكن أن يُقال بالأرقام عن الفرق بين تقليدَي بناء يفصل بينهما نهر واحد وألف سنة.
واحسب النسبة لتفهم ما تراه: أطول هرم نوبي يبلغ نحو ثلاثين مترًا، أي نحو خُمس ارتفاع الهرم الأكبر بالجيزة الأصلي البالغ ١٤٦٫٦ مترًا. لكنّ الأهرامات النوبية تفوق الجيزة عددًا أضعافًا. عمارة الجيزة راهنت على الحجم، وعمارة مروي راهنت على التكرار، والصورة أعلى هذه الصفحة هي نتيجة الرهان الثاني.
كم هرمًا بالضبط، ومن يملك الرقم
أدقّ ما وجدناه منشورًا هو «أكثر من مئتي هرم في ثلاث مجموعات» في موقع مدينة مروي، و«نحو ٢٥٥ هرمًا معروفًا بناها النوبيون» في السجلّ المرجعي للأهرامات النوبية — والرقمان لا يقيسان الشيء نفسه: الأوّل لمروي وحدها، والثاني لكلّ حقول الأهرامات النوبية مجتمعة.
وتوزيع الرقم الثاني على المواقع مذكور جزئيًّا: خمسة وعشرون هرمًا موثَّقًا عند جبل البركل، وأكثر من عشرين ما زالت قائمة في نوري من ثمانين يُرجَّح أنّها كانت هناك في الذروة، ونحو خمسين مقبرة وهرمًا في الكرو. وما تبقّى بعد ذلك هو نصيب البجراوية، وهو الأكبر.
وهنا ما لا نعرفه ونقوله صراحةً: لم نجد في أيّ من هذه السجلّات اسم المسح الأثري الذي أنتج هذه الأعداد ولا سنته. الرقم يتكرّر منقولًا، وليس منسوبًا إلى بعثة أو تعداد مؤرَّخ يمكن أن نُحيلك إليه.
والجهة التي تملك العدّ الرسمي معروفة بالاسم: الهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية. هي المرجع الذي يُسأل عن عدد الأهرامات القائمة اليوم في البجراوية وعن حالتها، ولا يصحّ أن يحلّ محلّه رقم متداول.
ونقول لماذا نصرّ على هذا التمييز: بين «أكثر من مئتين» و«٢٥٥» فارق قد يبدو صغيرًا، لكنّ الفارق الحقيقي أنّ الأوّل عدد قبور في موقع واحد والثاني حصيلة حضارة كاملة. من يخلط بينهما يكتب جملة تبدو دقيقة وهي خاطئة، وهذا بالضبط ما تكثر به الصفحات العربية عن هذا الموقع.
واجمع الأرقام المنشورة لترى المشكلة بنفسك: أكثر من مئتين في مروي، وخمسة وعشرون عند جبل البركل، وثمانون في ذروة نوري، ونحو خمسين في الكرو — المجموع يتجاوز ٣٥٥، وهو أكبر من رقم الـ٢٥٥ الذي يُنسب إلى «الأهرامات النوبية المعروفة». الرقمان منشوران، ولا يستقيمان معًا، ونحن نضعهما جنبًا إلى جنب بدل أن نختار أحدهما ونسكت.
خمسة أهرامات، وربّما ستّة، فُكّكت حجرًا حجرًا سنة ١٨٣٤ بيد رجل واحد كتب ذلك بنفسه. القمم المبتورة في الصورة ليست فعل الزمن.
فيرليني: من نسف القمم، وأين ذهب ما وجده
القمم المبتورة التي تراها في صورة هذه الصفحة لها سبب واسم وتاريخ: جوزيبي فيرليني، الطبيب والباحث عن الكنوز الإيطالي، المولود في ٢٣ أبريل ١٧٩٧ والمتوفّى في ٣٠ ديسمبر ١٨٧٠، الذي انطلقت بعثته إلى مروي في ١٠ أغسطس ١٨٣٤ حسب دوسون وأوبهيل (١٩٧٢، ص ١٦٦).
وأصدق شاهد على ما فعله هو هو نفسه: في كتابه الصادر سنة ١٨٣٧ يروي فيرليني أنّه فكّك خمسة أهرامات — وربّما ستّة — حجرًا حجرًا (ص ١٧ بالترقيم الروماني). بدأ بأربعة صغيرة ثمّ انتقل إلى أطول ما في الجبّانة، هرم الملكة أماني شاخيتي.
ويحمّله السجلّ المرجعي للأهرامات النوبية مسؤولية تدمير ما يزيد على أربعين هرمًا في مجمل عمله بالمنطقة خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وقد عاد إلى بلاده سنة ١٨٣٦. أي أنّ ما استغرق بناؤه قرونًا فُكّك في موسمين.
وما وجده مسجَّل بدقّة أيضًا: عشرات القطع من حلي الذهب والفضّة في حجرة تحت قمّة هرم أماني شاخيتي بقليل، حسب ولسبي (١٩٩٨، ص ٨٧). واشترى الملك لودفيغ الأوّل ملك بافاريا جزءًا منها فاستقرّ في المتحف الحكومي للفنّ المصري بميونخ، وذهب الباقي إلى المتحف المصري في برلين حيث لا يزال، حسب تشيمّينو (١٩٩٦، ص ٤١٦–٤١٧).
وهذه الفقرة هي الردّ العملي على سؤال يطرحه كلّ من ينظر إلى الصورة أوّل مرّة: لماذا تبدو الأهرامات كأنّها قُطعت من أعلى؟ الجواب ليس الريح ولا الرمل ولا الزمن، بل رجل واحد، وسنة واحدة، وقرار بالبحث عن ذهب فوق قمّة كلّ هرم.
وحتى في رواية ما وجده تحفّظ يستحقّ النقل: يقول السجلّ المرجعي للمدينة إنّ فيرليني «اكتشف — أو ادّعى أنّه اكتشف — آثارًا متنوّعة، أكثرها حلي، هي اليوم في متحفَي برلين وميونخ». الصيغة المزدوجة ليست تشكيكًا مجّانيًّا بل أثر لطريقة عمله: من يفكّك موقعًا حجرًا حجرًا لا يترك ما يسمح بالتحقّق من أين خرج ما خرج.
يناير: ٣٢٫٥ درجة، و٢٣٨٫٢ كيلومترًا من الخرطوم
في يناير ٢٠٢٦ بلغ متوسّط العظمى عند إحداثيات البجراوية ٣٢٫٥ درجة مئوية، وأحرّ أيّامه ٣٥٫٧، ومتوسّط الصغرى ١٨٫٠، وأبرد لياليه ١٤٫٧ — وذلك عند نقطة يسجّل لها النموذج الرقمي للتضاريس ارتفاعًا قدره ٣٧٤ مترًا. وهذا أبرد ما يصير إليه هذا الموقع في السنة.
وتفصيل الساعات أهمّ من متوسّط الشهر في موقع لا ظلّ فيه: ١٨٫٠ درجة عند السادسة صباحًا، و٢٣٫٧ عند التاسعة، و٣٢٫٥ عند الثالثة بعد الظهر، و٢٤٫٧ عند العاشرة مساءً. أربع عشرة درجة ونصف بين الفجر والعصر، والرطوبة تهبط من ٥٥٫٨ بالمئة عند السادسة صباحًا إلى ١٩٫٩ بالمئة عند الثالثة.
والمسافة من العاصمة أقصر ممّا يتوقّع كثيرون: ٢٣٨٫٢ كيلومترًا في نحو ثلاث ساعات وخمس دقائق، بقياسنا على شبكة الطرق في ٨ أغسطس ٢٠٢٦. والسجلّ المرجعي للمدينة يضعها على «نحو مئتَي كيلومتر شمال شرق الخرطوم» — أوردنا الرقمين لأنّ الأوّل مقيس على الطريق والثاني تقدير.
أمّا الريح التي تدفع الكثبان بين المقابر — وهي التي تصنع المشهد في الصورة — فلم نجد لها رقمًا في مصدر أرصادي يمكن أن نسمّيه لهذا الموقع تحديدًا، فلا نذكر اتّجاهًا ولا سرعة. الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية هي الجهة التي تملك هذا السجلّ.
ويبقى الإطار الذي تُقرأ فيه هذه الصفحة كلّها: تنصح وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية بعدم السفر إلى السودان كلّه، وآخر تحديث لتلك الصفحة ١١ مايو ٢٠٢٦ كما قرأناها في ٨ أغسطس ٢٠٢٦. ولذلك لا تحمل هذه المادّة مواعيد فتح ولا رسم دخول ولا ترتيب زيارة للبجراوية: الهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية هي من يملك هذه الإجابات، ولا نضع مكانها تقديرًا.
وضع الرقم في سياق موسمه: ٣٢٫٥ درجة هي متوسّط عظمى أبرد شهور السنة عند هذا الموقع. ومن يقارنها بجبل البركل في ديسمبر (٢٨٫٦ درجة في الأرشيف نفسه) يجد الشمال أبرد بنحو أربع درجات. أي أنّ يناير في البجراوية ليس شهرًا باردًا بأيّ معنى، بل أقلّ شهورها حرارةً فحسب — وهذا ما ينبغي أن يُقال بدل كلمة «معتدل».



