علم السودانشعار السودانجمهورية السودانSUDAN/إفريقيا/العاصمة الخرطومالآن في الخرطومالصلاة القادمة
موقع أثريقرب كريمة، الولاية الشمالية٩ دقائق قراءةمحدَّث موسميًا · أغسطس ٢٠٢٦

جبل البركل: الجبل الذي قرّر أين تكون العاصمة، ورقمان لارتفاعه

لماذا اختار المصريون ثمّ الكوشيون هذا النتوء الصخري بالذات مقرًّا لآمون، ولماذا يجد القارئ رقمين مختلفين لارتفاعه، وكم يبعد فعلًا عن الخرطوم بالقياس على الطريق لا بالتقدير.

بطاقة سريعة
الموقع
قرب كريمة، الولاية الشمالية
التصنيف
موقع أثري
أفضل وقت
ديسمبر — متوسّط عظمى ٢٨٫٦ درجة
مدة الزيارة
قراءة تخطيط، لا دعوة سفر
آخر تحديث
أغسطس ٢٠٢٦
جبل البركل: نتوء من الحجر الرملي بقمّة مسطّحة يرتفع من سهل مكشوف قرب مدينة كريمة في الولاية الشمالية

٢٠٠٣ والملفّ رقم ١٠٧٣: ما الذي أُدرج بالضبط

أُدرج «جبل البركل ومواقع منطقة نبتة» على قائمة التراث العالمي سنة ٢٠٠٣ تحت الملفّ رقم ١٠٧٣ وبالمعايير (i) و(ii) و(iii) و(iv) و(vi)، في الولاية الشمالية — والمهمّ في هذه الجملة كلمة «ومواقع»: الملفّ لا يغطّي الجبل وحده بل مجموعة مواقع متفرّقة في منطقة نبتة، وهذا ما يجعله ملفًّا واحدًا لا خمسة.

ونقول من أين جاء الرقم قبل أن نبني عليه: موقع مركز التراث العالمي ردّ في ٨ أغسطس ٢٠٢٦ بصفحة تحقّق من الهوية ورمز خطأ ٤٠٣ على كلّ محاولة اطّلاع، فأخذنا رقم الملفّ وسنة الإدراج والمعايير من السجلّات المرآتية للقائمة السودانية، وتحقّقنا من عضوية كلّ موقع مكوِّن من سجلّه المرجعي الخاصّ.

من تلك المكوّنات المؤكَّدة نوري: يقول سجلّها المرجعي إنّ أهرامات نوري، مع مبانٍ أخرى في المنطقة المحيطة بجبل البركل، مدرجة على قائمة التراث العالمي منذ سنة ٢٠٠٣. وفي نوري اليوم أكثر من عشرين هرمًا ما زالت قائمة، ويُرجَّح أنّ الموقع بلغ في ذروته ثمانين هرمًا أو أكثر، وأقدمها وأكبرها هرم تهارقا المعروف بـ«نوري ١» ويعود إلى نحو ٦٧٠ قبل الميلاد. وتبعد نوري عشرة كيلومترات عن جبل البركل.

ومنها الكرو: يضمّ الموقع نحو خمسين مقبرة وهرمًا بين أبنية هرمية ومدافن ركامية، تمتدّ من نحو ٨٦٠ قبل الميلاد إلى ٣٤٢ قبل الميلاد، وفيه دُفن بعنخي وشباكا وشبتكو وتانوت أماني، مع ستّ عشرة مقبرة أقدم يُحتمل أنّها لأسلاف بعنخي الملكيين.

أمّا القائمة الكاملة للمواقع المكوِّنة للملفّ ١٠٧٣ فمحفوظة في سجلّ اليونسكو نفسه، وهو السجلّ الذي لم نتمكّن من فتحه في ذلك اليوم. لذلك نذكر ما تحقّقنا من عضويته بالاسم — الجبل ونوري والكرو — ولا نكمل القائمة من الذاكرة.

ويستحقّ الانتباه إلى عدد المعايير لا إلى وجودها فقط: أُدرج هذا الملفّ بخمسة معايير ثقافية من ستّة، وهو عدد لا يبلغه إلّا قليل من مواقع القائمة. أي أنّ اللجنة لم تر في المكان قيمة واحدة — عمارة أو تاريخًا أو معنًى دينيًّا — بل خمسًا مجتمعة، وهذا في ذاته أدقّ وصف للموقع من أيّ عبارة إنشائية.

٩٨ مترًا أم ١٠٤: لماذا يجد القارئ رقمين

يجد قارئ العربية ارتفاع جبل البركل ٩٨ مترًا، ويجد قارئ الإنجليزية ١٠٤ أمتار، والرقمان منشوران في سجلّين مرجعيين قرأناهما في اليوم نفسه — فنطبعهما معًا بدل أن نختار أحدهما ونسكت عن الآخر. حزمة الوجهات المعتمدة في هذا الموقع تحمل الرقم الأوّل، وتصفه بأنّه «جبل صغير جدًّا بارتفاع ٩٨ مترًا» يتميّز بقمّته المسطّحة.

وهناك رقم ثالث لا يناقض الأوّلين بل يقيس شيئًا آخر: يسجّل ويكي بيانات في المدخل Q499019 ارتفاعًا قدره ٢٨٧ مترًا فوق سطح البحر. والفارق بين هذا وبين ٩٨ أو ١٠٤ ليس خلافًا بل تعريف: الأوّل ارتفاع القمّة عن مستوى البحر، والآخران ارتفاع الجبل عن السهل الذي يقوم عليه.

ويؤيّد ذلك قياس مستقلّ: يسجّل النموذج الرقمي للتضاريس عند إحداثيات الجبل ارتفاعًا قدره ٣٣٠ مترًا. أي أنّ الأرض حول الجبل نفسها على مئات الأمتار من الارتفاع، وأنّ ما تراه في الصورة ليس جبلًا عاليًا بل كتلة قصيرة نسبيًّا في سهل مكشوف تمامًا — وهذا بالضبط سبب أهمّيتها.

ويسجّل المدخل نفسه مساحة محمية للموقع بقيمتين، ١٢١ هكتارًا و٤٠ هكتارًا، وهما على الأرجح نطاق الموقع ونطاق منطقته العازلة. أوردناهما كما هما مسجَّلين لأنّنا لم نجد ما يفصل بينهما بمصدر يمكن تسميته.

والخلاصة العملية من هذه الفقرة كلّها بسيطة: مئة متر تقريبًا من الحجر الرملي في سهل مسطّح ترى من فوقها ما لا يُرى من أيّ نقطة أخرى في المنطقة. لم يكن هذا الجبل مهمًّا لأنّه ضخم، بل لأنّه الشيء الوحيد المرتفع هناك.

معبد آمون تحت الجبل: من بناه ومتى

وصل تحتمس الثالث إلى جبل البركل نحو سنة ١٤٥٠ قبل الميلاد وأقام عنده مستوطنة محصَّنة — «مِنِنو» بالمصرية القديمة — بوصفها الحدّ الجنوبي للإمبراطورية المصرية، ثمّ بنى المصريون هناك معبدًا لآمون نبتة، وهو الصورة المحلّية لآمون بهيئة الكبش. هذا هو أصل قداسة المكان، وهو قرار سياسي قبل أن يكون دينيًّا.

ثمّ جاء ملوك كوش فبنوا ورمّموا ووسّعوا المنشآت الضخمة في الموقع — ومن بينهم كشتا وبعنخي وتهارقا. أي أنّ الطبقة الكوشية في المعبد ليست إحلالًا محلّ الطبقة المصرية بل استمرار لها بوعي: ورث ملوك نبتة معنى المكان كما وجدوه ثمّ ضخّموه.

وعادت مملكة كوش إلى القوّة في السنوات التالية لسنة ٨٠٠ قبل الميلاد باسم أسرة نبتة، وظلّ جبل البركل عاصمتها حتى نحو سنة ٢٧٠ قبل الميلاد حين انتقلت المدافن الملكية إلى مروي. خمسة قرون ونصف تقريبًا، من رقم إلى رقم، وكلاهما مسجَّل.

ولماذا هذا الجبل بالذات؟ الجواب المنشور في سجلّ اليونسكو للملفّ ١٠٧٣ هو المكانة الدينية للجبل بوصفه مقرّ آمون، وهو السجلّ الذي لم نستطع فتحه في ٨ أغسطس ٢٠٢٦. ما نقوله من مصادر قرأناها فعلًا هو ما سبق: أنّ المصريين أقاموا هنا حدّهم الجنوبي ومعبد آمون، وأنّ الكوشيين ورثوه. أمّا صياغة اليونسكو الحرفية لمعنى الجبل فلا ننقلها لأنّنا لم نقرأها.

وهذا التسلسل هو ما يجعل الموقع مختلفًا عن أيّ معبد آخر في وادي النيل: ليس معبدًا بناه ملك واحد، بل عنوانًا تنازعت عليه دولتان متتاليتان لأكثر من ألف سنة، وكلتاهما كتبت اسمها على الحجر نفسه تحت الجبل نفسه.

وتواريخ الجبّانات المجاورة تسند هذا التسلسل بدل أن تكرّره: مدافن الكرو تمتدّ من نحو ٨٦٠ إلى ٣٤٢ قبل الميلاد، أي أنّها بدأت قبل انتقال المدافن الملكية إلى مروي بقرون واستمرّت بعده. الانتقال إذًا لم يكن قطيعة بل تحوّلًا في مركز الثقل، وظلّ الجبل يستقبل دفنًا وبناءً بعد أن كفّ عن أن يكون العاصمة.

خمسة قرون ونصف كانت العاصمة هنا، ثمّ انتقلت المدافن الملكية إلى مروي نحو سنة ٢٧٠ قبل الميلاد. الجبل بقي، والدولة تحرّكت.

٤٠٠ كيلومتر شمال الخرطوم — أم ٤٤٩٫٣

تصف حزمة الوجهات المعتمدة في هذا الموقع جبل البركل بأنّه على بعد ٤٠٠ كيلومتر شمال العاصمة السودانية، في الولاية الشمالية جوار مدينة كريمة عند الانحناء النيلي الكبير — وهذا الرقم قريب من المسافة على الخريطة لا من المسافة التي تُقاد.

أمّا على الطريق فقِسنا المسافة من الخرطوم إلى كريمة على شبكة الطرق في ٨ أغسطس ٢٠٢٦ فبلغت ٤٤٩٫٣ كيلومترًا في نحو خمس ساعات واثنتين وثلاثين دقيقة. الفارق بين الرقمين تسعة وأربعون كيلومترًا، أي نحو أربعين دقيقة إضافية لمن يخطّط ليومه بالرقم الأوّل.

وموقع الجبل عند الانحناء النيلي الكبير ليس وصفًا شاعريًّا: النيل في هذا المقطع يجري من الشرق إلى الغرب لا من الجنوب إلى الشمال، وهذه هي الجغرافيا التي جعلت المنطقة ملتقى طرق قوافل بين وادي النيل والصحراء، وهي السبب الأصلي في أنّ عاصمةً قامت هنا لا في مكان آخر.

وللمقارنة، الخرطوم التي تُقاس منها هذه المسافة تسجّل في حزمة معطياتنا ٥٬٣٤٥٬٠٠٠ نسمة، وهي أكبر تجمّع سكّاني في البلد بفارق كبير عن أمّ درمان (٢٬٨٠٥٬٣٩٦) والخرطوم بحري (٩٣٦٬٣٤٩). أي أنّ الطريق إلى البركل هو الطريق من نصف الثقل السكّاني للبلد إلى منطقة شبه خالية.

ونضيف رقمًا أخيرًا يفيد من يقرأ الخريطة: أهرامات مروي إلى الجنوب الشرقي من هنا على ٢٣٨٫٢ كيلومترًا من الخرطوم بقياسنا في التاريخ نفسه. أي أنّ الموقعين الأثريين الكبيرين في السودان لا يقعان في اتّجاه واحد من العاصمة، وأنّ من يظنّهما رحلة واحدة يخطئ في تقدير المسافات بمئات الكيلومترات.

وضع الرقم في حجمه: تسجّل حزمة معطياتنا مساحة السودان ١٬٨٨٦٬٠٦٨ كيلومترًا مربّعًا. أربعمئة وتسعة وأربعون كيلومترًا من العاصمة إلى كريمة ليست مسافة كبيرة في بلد بهذا الاتّساع، لكنّها كافية لتغيير المناخ والسكّان والطريق معًا — وهذا هو ما يجعل الشمال يبدو لزائره كأنّه بلد آخر.

ديسمبر: ٢٨٫٦ درجة، والوضع الذي لا يجوز تجاوزه

في ديسمبر ٢٠٢٥ بلغ متوسّط العظمى عند إحداثيات جبل البركل ٢٨٫٦ درجة مئوية، وأحرّ أيّامه ٣٤٫٦، ومتوسّط الصغرى ١٦٫١، وأبرد لياليه ١٠٫٤ — وذلك عند نقطة يسجّل لها النموذج الرقمي للتضاريس ارتفاعًا قدره ٣٣٠ مترًا. هذا هو الشهر الذي تُقرأ فيه الأرقام على أنّها معتدلة فعلًا.

وتفصيل الساعات أنفع من متوسّط الشهر لمن يقرأ صورة موقع مكشوف تمامًا: ١٦٫٢ درجة عند السادسة صباحًا، و٢١٫٢ عند التاسعة، و٢٨٫٥ عند الثالثة بعد الظهر، و٢١٫٩ عند العاشرة مساءً. اثنتا عشرة درجة كاملة بين الفجر والعصر داخل اليوم الواحد.

والرطوبة تكمل الصورة: ٥٣٫٠ بالمئة عند السادسة صباحًا، تهبط إلى ٢٢٫١ بالمئة عند الثالثة بعد الظهر، بمتوسّط شهري ٣٥٫٥ بالمئة. هواء جافّ جدًّا في ساعات النهار — وهذا يعني كمّية ماء محسوبة لا انطباعًا عن «الجوّ اللطيف».

قارنه بالخرطوم في الشهر نفسه: متوسّط عظمى ٣٢٫٢ درجة ومتوسّط صغرى ١٩٫٧. أي أنّ الولاية الشمالية في ديسمبر أبرد من العاصمة بنحو ثلاث درجات ونصف نهارًا وثلاث درجات ونصف ليلًا. الشمال هنا أبرد لا أحرّ، خلافًا لما تفترضه الخريطة الذهنية عن «شمال الصحراء».

ويبقى ما لا يجوز لصفحة أن تتجاوزه: تنصح وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية بعدم السفر إلى السودان كلّه بسبب النزاع العسكري المستمرّ، وآخر تحديث لتلك الصفحة ١١ مايو ٢٠٢٦ كما قرأناها في ٨ أغسطس ٢٠٢٦. ولذلك لا تحمل هذه المادّة موعد فتح ولا رسم دخول ولا ترتيب زيارة لجبل البركل: لم نجد جهة تنشر أيًّا منها، والهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية هي الجهة التي تملك هذه الإجابات، ولا نضع مكانها تقديرًا.

وللمقارنة مع الموقع الأثري الآخر في البلد: يسجّل الأرشيف نفسه عند إحداثيات البجراوية في يناير ٢٠٢٦ متوسّط عظمى ٣٢٫٥ درجة، أي أعلى بنحو أربع درجات من ديسمبر في البركل رغم أنّ الشهرين متجاوران والموقعين في البلد نفسه. مئتان وثمانون كيلومترًا من فرق العرض الجغرافي تفعل هذا، ومن يخطّط للموقعين معًا يخطّط لمناخين.

مقالات أخرى عن السودان

٣